حاول الإمام عبدالرحمن بن فيصل أن يحافظ على ما تبقى من نفوذ آل سعود، لكنه واجه واقعًا أقوى من قدراته، فقد مرت الدولة السعودية الثانية، التي تأسست على يد الإمام تركي بن عبدالله عام 1240هـ/1824م، بمراحل قوة وازدهار في عهد بعض أئمتها، لكنها أيضًا واجهت فترات ضعف واضطراب شديد، خاصة في العقود الأخيرة من عمرها. وكان السبب الرئيس وراء هذا الاضطراب هو الصراعات الداخلية بين أبناء الإمام فيصل بن تركي، الذين تنافسوا على الحكم بعد وفاته عام 1282هـ/1865م، ما أدى إلى إنهاك الدولة وإضعافها أمام خصومها الإقليميين، وعلى رأسهم آل رشيد أمراء حائل.
وفي العقد الأخير من عمر الدولة الثانية، برز الإمام عبدالرحمن بن فيصل بن تركي كآخر حكامها، محاولًا إنقاذ ما تبقى من كيانها السياسي، وإعادة الهيبة إلى آل سعود. غير أن الظروف كانت قد بلغت من التعقيد درجة جعلت مهمته شبه مستحيلة. وخلال السنوات الخمس الأخيرة من عمر الدولة، بين عامي 1306هـ و1310هـ تقريبًا، تصاعد الصراع مع آل رشيد إلى ذروته، وانتهى بسقوط الرياض وخروج الإمام عبدالرحمن، لتطوى بذلك صفحة الدولة السعودية الثانية، بانتظار ميلاد جديد بعد سنوات.
منذ وفاة الإمام فيصل بن تركي، دبّت الخلافات بين أبنائه، ولا سيما بين الإمام عبدالله وأخيه سعود، وتكررت المواجهات بينهما لعقود، فيما عُرف بـ”الفتنة بين أبناء فيصل”. وقد أضعفت هذه النزاعات الدولة السعودية الثانية من الداخل، وأفقدتها تماسكها، مما أتاح لآل رشيد في حائل فرصة لتوسيع نفوذهم.
ومع ضعف الدولة في نجد، تمكن آل رشيد من فرض هيمنتهم على أجزاء واسعة من المنطقة. وكان الأمير محمد بن عبدالله بن رشيد، المعروف بدهائه وقوته، أبرز من استثمر هذه الظروف، فبسط نفوذه على القبائل، وأحكم سيطرته على شمال الجزيرة. ومع وفاة عبدالله بن فيصل، وتراجع دور سعود بن فيصل، برز الإمام عبدالرحمن بن فيصل كأمل أخير لآل سعود.
تولى الإمام عبدالرحمن الحكم في ظروف صعبة. فقد كان النفوذ السعودي قد انحسر بشكل كبير، واقتصر عمليًا على الرياض وما حولها من قرى. أما بقية نجد فكانت تحت تأثير آل رشيد المباشر أو غير المباشر. ومع ذلك، حاول الإمام عبدالرحمن أن يستعيد زمام المبادرة، فجمع أنصاره من آل سعود والقبائل الموالية، وأعاد تنظيم قواته لمواجهة الخطر الداهم من حائل.
تُعد معركة المليداء في القصيم أبرز أحداث السنوات الأخيرة للدولة السعودية الثانية. فقد التقى فيها جيش الإمام عبدالرحمن وحلفاؤه من أهالي القصيم بجيش محمد بن عبدالله بن رشيد. كانت المعركة حاسمة، إذ تمكن ابن رشيد من إلحاق هزيمة كبيرة بالقوات السعودية وحلفائها، مما أدى إلى سقوط القصيم تحت سيطرته.
كانت هذه الهزيمة ضربة موجعة لعبدالرحمن، إذ فقد آخر قاعدة قوية خارج الرياض، وأصبح معزولًا في العاصمة محاطًا بنفوذ آل رشيد من كل جانب. كما تراجعت معنويات أنصاره، وبدأ كثير من القبائل يتخلون عنه خوفًا من بطش ابن رشيد.
بعد انتصار المليداء، واصل ابن رشيد سياسة الحصار السياسي والعسكري على الإمام عبدالرحمن. فأرسل الغزوات لتضييق الخناق على موارد الرياض، واستمال بعض القبائل التي كانت تؤيد آل سعود. وفي هذه الفترة، أصبح موقف الإمام عبدالرحمن بالغ الصعوبة، إذ لم يعد يملك سوى قوة محدودة للدفاع عن الرياض نفسها.
في محاولة أخيرة لاستعادة زمام المبادرة، خرج الإمام عبدالرحمن على رأس قواته لملاقاة جيش ابن رشيد قرب حريملاء. لكن النتيجة لم تكن مختلفة عن معركة المليداء؛ فقد تكبدت قواته خسائر كبيرة، واضطر إلى التراجع إلى الرياض. كانت هذه المعركة بمثابة الإنذار الأخير بأن سقوط العاصمة بات وشيكًا.
في عام 1310هـ/1891م، تحرك ابن رشيد بقواته نحو الرياض مباشرة. أدرك الإمام عبدالرحمن أن فرصته في الصمود شبه معدومة، خاصة بعد أن تفرقت عنه القبائل، وضعفت موارده العسكرية. وبعد حصار وضغط متواصل، قرر الانسحاب مع أسرته وأبنائه، متوجهًا إلى الخرج ثم إلى الأحساء، ومنها إلى قطر والبحرين، قبل أن يستقر لفترة في الكويت.
بهذا الخروج، طويت صفحة الدولة السعودية الثانية بعد أن استمرت نحو سبعين عامًا منذ تأسيسها على يد الإمام تركي بن عبدالله. لقد كان خروج الإمام عبدالرحمن من الرياض حدثًا بالغ الرمزية، إذ جسّد النهاية الفعلية للوجود السياسي لآل سعود في تلك المرحلة، لكنه في الوقت نفسه شكّل بداية لمرحلة جديدة ستقود لاحقًا إلى تأسيس الدولة السعودية الثالثة.
أبرز ما ميز السنوات الأخيرة من الدولة السعودية الثانية هو الانقسام الداخلي بين أبناء فيصل، والذي ورثه الإمام عبدالرحمن كعبء ثقيل. فقد أضعفت هذه الانقسامات هيبة الأسرة الحاكمة، وأفقدت الدولة تماسكها، وجعلتها عرضة للتدخلات الخارجية.
استفاد آل رشيد من هذا الضعف، واستطاعوا أن يحلوا محل آل سعود كقوة مهيمنة في نجد. فمحمد بن عبدالله بن رشيد كان قائدًا بارعًا، عرف كيف يوظف التفوق العسكري والسياسي لصالحه، حتى تمكن من إسقاط الرياض نفسها.
رغم الهزائم المتلاحقة، ظل الإمام عبدالرحمن في نظر أتباعه رمزًا للشرعية السعودية، وآخر أمل لآل سعود. وكان خروجه من الرياض بمثابة انتقال للمشروع السعودي من الداخل إلى المنفى، حيث استمر آل سعود في الحفاظ على إرثهم السياسي حتى سنحت الفرصة لاحقًا للعودة بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن.
إن السنوات الخمس الأخيرة من عمر الدولة السعودية الثانية تمثل مرحلة مأساوية لكنها مهمة لفهم تاريخ الجزيرة العربية. ففي هذه الفترة، حاول الإمام عبدالرحمن بن فيصل أن يحافظ على ما تبقى من نفوذ آل سعود، لكنه واجه واقعًا أقوى من قدراته: انقسام داخلي موروث، وقوة خارجية صاعدة في حائل بقيادة آل رشيد، وتراجع في ولاء القبائل والموارد.
انتهى الأمر بخروجه من الرياض عام 1310هـ/1891م، لتسقط الدولة السعودية الثانية، ويبدأ فصل جديد من تاريخ آل سعود في المنفى. لكن هذه النهاية لم تكن إلا تمهيدًا لعودة جديدة، حيث واصل الإمام عبدالرحمن وأبناؤه، وعلى رأسهم الملك عبدالعزيز، حمل راية الأسرة حتى عادت إلى الرياض مرة أخرى عام 1319هـ/1902م، لتبدأ الدولة السعودية الثالثة التي استمرت حتى تحولت إلى المملكة العربية السعودية الحديثة.
هكذا، فإن خروج الإمام عبدالرحمن لم يكن مجرد نهاية، بل كان بداية لمسار طويل من الصبر والإصرار، تجسدت فيه عزيمة آل سعود على النهوض من جديد، مهما اشتدت المحن.

[…] وقبل أن يصبح عبدالعزيز قائدًا عظيمًا ومؤسسًا لدولة مترامية الأطراف، كان طفلًا نشأ في بيئة صعبة، تحمل أعباء المنفى مع أسرته، وتربى في كنف والده الإمام عبدالرحمن آخر حكام الدولة السعودية الثانية. […]