وفاة الملك خالد بن عبدالعزيز يوم الأحد 21 شعبان 1402هـ/13 يونيو 1982م شكّلت نهاية مرحلة مهمة في تاريخ المملكة العربية السعودية. فالملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود (1331هـ/1913م – 1402هـ/1982م) هو رابع ملوك المملكة العربية السعودية، وأحد القادة البارزين الذين تولوا حكم البلاد في مرحلة دقيقة من تاريخها. عُرف الملك خالد بشخصيته الهادئة والمتزنة، وبأسلوبه الأبوي في القيادة، وقدّم خلال فترة حكمه (1975م–1982م) إنجازات كبيرة في مجالات التنمية والتعليم والاقتصاد، إضافة إلى مواقفه المشرّفة في القضايا العربية والإسلامية.
ورغم أن فترة حكمه لم تدم طويلًا مقارنةً بإخوانه الملوك، فإنها تميزت بالنهضة الاقتصادية الشاملة الناتجة عن الطفرة النفطية في السبعينيات، والتي وُظفت لبناء مؤسسات الدولة وتطوير البنية التحتية.
وقد انتهت مسيرته الحافلة في 21 شعبان 1402هـ الموافق 13 يونيو 1982م، عندما وافته المنية في الطائف بعد معاناة مع المرض. كانت وفاته حدثًا جللًا هزّ المملكة والعالم العربي والإسلامي، لكنها في الوقت نفسه مثّلت نموذجًا للاستقرار السياسي، إذ انتقلت القيادة بسلاسة إلى شقيقه الملك فهد بن عبدالعزيز.
وُلد الملك خالد عام 1331هـ/1913م في الرياض، وهو الابن الخامس للملك المؤسس عبدالعزيز من زوجته الجوهرة بنت مساعد بن جلوي. نشأ في بيت ملكي عريق، وتربى منذ صغره على القيم الدينية والتقاليد العربية الأصيلة. وقد تميز بالهدوء والبعد عن الأضواء، لكنه كان حاضرًا في المواقف الوطنية المهمة إلى جانب والده المؤسس ثم إخوته من بعده.
شارك الملك خالد في إدارة شؤون الدولة مبكرًا، إذ تولى رئاسة الحرس الملكي، ثم أصبح وليًا للعهد عام 1385هـ/1965م بعد أن تولى الملك فيصل الحكم. وقد عُرف بصفاته الأخلاقية العالية، وببساطته وقربه من المواطنين.
تولى الملك خالد الحكم بعد اغتيال الملك فيصل عام 1395هـ/1975م. كان انتقال السلطة سلسًا بفضل متانة النظام السعودي، فبايعه الأمراء والعلماء والأعيان ملكًا، فيما تولى شقيقه الأمير فهد ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء.
خلال فترة حكمه، شهدت المملكة طفرة اقتصادية غير مسبوقة بسبب ارتفاع أسعار النفط عقب حرب أكتوبر 1973م. وقد وُظفت هذه الطفرة في تنفيذ مشاريع تنموية ضخمة، شملت:
- التعليم: تأسيس الجامعات والمعاهد، مثل جامعة الملك فيصل بالأحساء، وجامعة أم القرى بمكة، وتوسيع برامج الابتعاث الخارجي.
- الصحة: بناء المستشفيات والمراكز الطبية في مختلف المناطق.
- البنية التحتية: شق الطرق، وبناء المطارات الحديثة، وتطوير الموانئ.
- الإسكان والخدمات: إطلاق مشاريع إسكان ضخمة وتوفير الكهرباء والمياه للمناطق النائية.
- المشروعات الدينية: توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي، والعناية بخدمة الحجاج والمعتمرين.
على الصعيد الخارجي، عُرف الملك خالد بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، ومناصرته لقضايا المسلمين حول العالم. كما لعب دورًا محوريًا في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981م، الذي مثّل نقلة نوعية في التعاون الإقليمي.
في أواخر حياته، عانى الملك خالد من بعض المشكلات الصحية، خاصة أمراض القلب وضغط الدم. وبرغم ذلك، ظل يتابع شؤون الحكم، مستعينًا بولي عهده الأمير فهد الذي كان يسانده في إدارة الدولة.
في صيف عام 1982م، كان الملك خالد في مدينة الطائف حيث اعتاد الإقامة في موسم الصيف. وفي يوم الأحد 21 شعبان 1402هـ الموافق 13 يونيو 1982م، وافته المنية فجأة إثر أزمة قلبية حادة. كان خبر وفاته صادمًا للمجتمع السعودي، إذ فقد الشعب قائدًا محبوبًا يتمتع بصفات التواضع والأبوة والرحمة.
نُقل جثمان الملك خالد من الطائف إلى الرياض، حيث أُديت عليه صلاة الجنازة في جامع الإمام تركي بن عبدالله، بحضور أفراد الأسرة المالكة، وكبار المسؤولين، وجموع غفيرة من المواطنين الذين توافدوا لتوديعه. ثم وُري الثرى في مقبرة العود بجوار والده الملك عبدالعزيز وإخوته من الملوك السابقين.
على الصعيد العربي والإسلامي، عمت مشاعر الحزن في مختلف الدول. فقد نعت الحكومات والشعوب الملك خالد بكلمات مؤثرة، وأشادت بمواقفه الداعمة للقضايا العربية. في فلسطين وُصف بأنه “نصير القدس”، وفي الخليج اعتُبر “أحد أبرز دعاة الوحدة الخليجية”. كما بعث قادة العالم برقيات تعزية إلى المملكة، معبرين عن تقديرهم للدور الذي لعبه في استقرار المنطقة والعالم.
بعد ساعات من إعلان وفاة الملك خالد، اجتمع كبار الأمراء والعلماء، وبويع الملك فهد بن عبدالعزيز ملكًا للمملكة العربية السعودية، تنفيذًا لأحكام النظام الأساسي للحكم. وقد مثل هذا الانتقال السلس للسلطة دلالة واضحة على رسوخ الدولة السعودية واستقرارها، وعلى وفاء الأسرة المالكة بمبدأ الشورى والبيعة الذي سار عليه آل سعود منذ تأسيس الدولة.
ترك الملك خالد إرثًا من الإنجازات التنموية التي غيرت وجه المملكة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات. وبرغم وفاته المبكرة، فقد رسّخ في وجدان الشعب صورة القائد الهادئ المتواضع، الذي قاد البلاد في فترة رخاء اقتصادي وتحولات كبرى.
فقد العالم العربي قائدًا بارزًا في دعم التضامن العربي والإسلامي. غير أن المؤسسات التي شارك في تأسيسها، مثل مجلس التعاون الخليجي، استمرت بعد وفاته، مؤكدة عمق بصمته في السياسة الإقليمية.
إن وفاة الملك خالد بن عبدالعزيز يوم الأحد 21 شعبان 1402هـ/13 يونيو 1982م شكّلت نهاية مرحلة مهمة في تاريخ المملكة العربية السعودية. فقد رحل القائد الهادئ الذي عُرف بحكمته وتواضعه، وترك وراءه إنجازات عظيمة في التنمية الداخلية، ومواقف مشرفة في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية.
لكن إرثه لم يتوقف بوفاته، إذ انتقلت الراية بسلاسة إلى شقيقه الملك فهد، الذي واصل مسيرة البناء والتطوير. وبهذا، أثبتت المملكة أن قوتها لا تقوم على فرد واحد، بل على مؤسسات راسخة ونظام متين وضع أسسه الملك المؤسس عبدالعزيز وأبناؤه من بعده.
يبقى الملك خالد في ذاكرة السعوديين رمزًا للأب الحنون والقائد المخلص، الذي جمع بين بساطة الشخصية وعظمة الإنجاز، وختم حياته بترك وطن أكثر قوة واستقرارًا.

[…] الحكم عام 1982م بعد وفاة شقيقه الملك خالد، وقاد البلاد على مدى 23 عامًا شهدت خلالها تحولات كبرى […]