وفاة الأمير سلطان بن عبدالعزيز: رحيل ولي العهد وأحد أبرز قادة المملكة
إن وفاة الأمير سلطان بن عبدالعزيز يوم 24 ذو القعدة 1432هـ/22 أكتوبر 2011م كانت خسارة كبيرة للمملكة العربية السعودية وللعالم العربي والإسلامي. فيُعد الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود (1928م – 2011م) واحدًا من أبرز الشخصيات القيادية في المملكة العربية السعودية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فقد كان وليًا للعهد، ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء، ووزيرًا للدفاع والطيران، والمفتش العام، لسنوات طويلة. ارتبط اسمه بالتطوير العسكري والدفاعي، وبالإشراف على مشروعات ضخمة في البنية التحتية والخدمات الإنسانية، فضلًا عن مشاركته في القرارات السياسية الكبرى التي شكّلت ملامح المملكة الحديثة.
وفي يوم السبت 24 ذو القعدة 1432هـ الموافق 22 أكتوبر 2011م، أُعلن عن وفاة الأمير سلطان في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية بعد صراع مع المرض، عن عمر ناهز 86 عامًا. مثّل خبر وفاته لحظة حزن عميق في المملكة والعالم العربي والإسلامي، إذ فقدت البلاد أحد أعمدتها السياسية والعسكرية والإنسانية.
وُلد الأمير سلطان في الرياض عام 1349هـ/1928م، وهو الابن الخامس عشر للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود من زوجته الأميرة حصة بنت أحمد السديري، وبالتالي كان أحد إخوان السديري السبعة الذين لعبوا دورًا مهمًا في تاريخ المملكة.
تلقى تعليمه المبكر في مدرسة الأمراء بالرياض، حيث تعلم القرآن الكريم والعلوم الدينية واللغة العربية، ثم واصل تثقيف نفسه عبر العلماء والمشايخ الذين كانوا قريبين من والده الملك عبدالعزيز. نشأ على القيم الدينية والالتزام بالمسؤولية، مما أهّله لمناصب قيادية مبكرة.
في عام 1366هـ/1947م، عُيّن أميرًا على منطقة الرياض وهو في التاسعة عشرة من عمره تقريبًا، فكان ذلك بداية دخوله الحياة الإدارية والسياسية. وبعد عامين، أُسندت إليه وزارة الزراعة، ثم وزارة المواصلات، حتى استقر به المقام وزيرًا للدفاع والطيران والمفتش العام عام 1382هـ/1962م، وهو المنصب الذي ظل يشغله قرابة خمسة عقود.
ارتبط اسم الأمير سلطان بوزارة الدفاع والطيران أكثر من أي منصب آخر. فقد أشرف على بناء وتطوير القوات المسلحة السعودية، وتحويلها من قوة محدودة إلى مؤسسة عسكرية حديثة ذات تجهيزات متقدمة.
أبرز إنجازاته العسكرية:
- التحديث والتسليح: أشرف على صفقات كبرى للتسليح مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، مما عزز قدرات الجيش السعودي.
- تطوير الطيران المدني: ساهم في تأسيس الخطوط الجوية العربية السعودية وتوسيع شبكة مطارات المملكة.
- التدريب العسكري: أنشأ الكليات والمعاهد العسكرية، مثل كلية الملك عبدالعزيز الحربية وكلية الملك فيصل الجوية.
- المشاركة في الدفاع الإقليمي: كان للقوات السعودية دور محوري في حرب تحرير الكويت 1991م، تحت إشراف مباشر منه.
بهذا، ارتبط اسم الأمير سلطان بالنهضة العسكرية للمملكة، حتى لُقب أحيانًا بـ “أب القوات المسلحة السعودية الحديثة”.
إلى جانب أدواره العسكرية والسياسية، كان الأمير سلطان معروفًا بأعماله الإنسانية. فقد أسس مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الخيرية عام 1415هـ/1995م، التي قدمت خدمات واسعة في مجال الصحة والتعليم، وأنشأت مدينة سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية بالرياض، وهي من أكبر مراكز التأهيل الطبي في الشرق الأوسط.
كما دعم مشروعات الإسكان والخدمات للمحتاجين، وموّل بعثات طلابية داخلية وخارجية، وساهم في برامج الإغاثة الدولية، مما جعله رمزًا للعطاء الإنساني في الداخل والخارج.
بعد وفاة الملك فهد عام 1426هـ/2005م وتولي الملك عبدالله الحكم، أصبح الأمير سلطان وليًا للعهد ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء، مع احتفاظه بوزارة الدفاع والطيران.
خلال هذه الفترة، شارك في رسم السياسة السعودية، وكان سندًا للملك عبدالله في إدارة شؤون الدولة. ورغم أن حالته الصحية بدأت تضعف منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، فإنه ظل حاضرًا في المشهد السياسي والعسكري، حتى اضطر للسفر مرارًا إلى الخارج لتلقي العلاج.
ابتداءً من عام 2008م، بدأت صحة الأمير سلطان تتدهور بشكل واضح. خضع لعمليات جراحية في الولايات المتحدة، وأمضى فترات طويلة في العلاج بين أمريكا والمغرب. ورغم معاناته، ظل حريصًا على متابعة شؤون الدولة، وكان يعود بين الحين والآخر إلى المملكة للمشاركة في المناسبات الوطنية.
وفي عام 2009م، عاد إلى السعودية بعد رحلة علاجية طويلة، حيث استُقبل استقبالًا شعبيًا ورسميًا كبيرًا. لكن المرض اشتد عليه في السنوات التالية، حتى أُعلن عن وفاته في أكتوبر 2011م.
في يوم السبت 24 ذو القعدة 1432هـ الموافق 22 أكتوبر 2011م، أُعلن عن وفاة ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، حيث كان يتلقى العلاج. كان عمره آنذاك 86 عامًا، قضى معظمها في خدمة وطنه ومليكه وشعبه.
بعد إعلان الوفاة، عمّ الحزن أرجاء المملكة، وبدأت الترتيبات لنقل جثمانه إلى الرياض. وصلت الطائرة الملكية وعلى متنها جثمانه يوم الثلاثاء 27 ذو القعدة 1432هـ، حيث أُديت عليه صلاة الجنازة في جامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض بعد صلاة العصر، بحضور الملك عبدالله، وأفراد الأسرة المالكة، وقادة العالم العربي والإسلامي.
ودُفن في مقبرة العود إلى جوار إخوته من أبناء الملك عبدالعزيز.
فور إعلان الوفاة، نعت الحكومة السعودية الأمير سلطان ببيان رسمي، وأشادت بدوره الكبير في خدمة المملكة طوال عقود. كما نعاه العلماء والأمراء وكبار المسؤولين، وأقيمت الصلوات والدعوات في المساجد في جميع مناطق البلاد.
المواطنون السعوديون عبّروا عن حزنهم عبر وسائل الإعلام والمنتديات آنذاك، معتبرين أن البلاد فقدت شخصية بارزة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخها.
كان لوفاة الأمير سلطان صدى واسع في العالم العربي والإسلامي والدولي، نظرًا لمكانته الكبيرة ودوره البارز. ففي دول الخليج، أعلنت الإمارات والبحرين والكويت وقطر أيام حداد رسمي، وأوفدت وفودًا رفيعة المستوى للمشاركة في العزاء. كما أنه في مصر والأردن والمغرب، نعت الحكومات الأمير سلطان بكلمات مؤثرة، وأشادت بدوره في دعم القضايا العربية. وفي فلسطين، عبّر القادة عن تقديرهم لدعمه الثابت للقضية الفلسطينية. ودوليًا، بعث الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وزعماء آخرون برقيات عزاء، معتبرين أن العالم فقد قائدًا حكيمًا.
شكّلت وفاة الأمير سلطان حدثًا محوريًا في تاريخ المملكة، إذ فتحت الباب أمام انتقال ولاية العهد إلى الأمير نايف بن عبدالعزيز (رحمه الله). ورغم الحزن، فإن الدولة السعودية أثبتت مرة أخرى قدرتها على تجاوز المحن بسلاسة، حيث انعقدت البيعة سريعًا لولي العهد الجديد، واستمر نظام الحكم مستقرًا.
إن وفاة الأمير سلطان بن عبدالعزيز يوم 24 ذو القعدة 1432هـ/22 أكتوبر 2011م كانت خسارة كبيرة للمملكة العربية السعودية وللعالم العربي والإسلامي. فقد رحل رجل دولة بارز، ووزير دفاع عريق، وولي عهد مخلص، وقائد إنساني ترك بصمات عميقة في كل مجال تولاه.
لكن إرثه لم يذهب بوفاته، إذ بقيت إنجازاته العسكرية والإنسانية شاهدة على دوره. مدينة سلطان للخدمات الإنسانية، والقوات المسلحة الحديثة، والمطارات والمشروعات التي أشرف عليها، كلها تظل علامات بارزة على جهوده.
لقد مثّل رحيل الأمير سلطان نهاية حقبة من تاريخ المملكة، لكنه أكد في الوقت نفسه متانة الدولة السعودية وقدرتها على الاستمرار. سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة السعوديين والعرب كرمز للعطاء والوفاء، وواحد من أبرز القادة الذين خدموا بلادهم بإخلاص طوال حياتهم.

[…] عام 2011م، عُيّن وليًا للعهد بعد وفاة أخيه الأمير سلطان بن عبدالعزيز، فكان سندًا للملك عبدالله في إدارة الدولة. لكن لم يمضِ […]