اغتيال الملك فيصل بن عبدالعزيز: صدمة الأمة ونهاية قائد إصلاحي
إن اغتيال الملك فيصل بن عبدالعزيز في 13 ربيع الأول 1395هـ/25 مارس 1975م كان لحظة مأساوية في تاريخ المملكة والعالم العربي. فيُعد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود (1906م – 1975م) واحدًا من أبرز القادة في تاريخ المملكة العربية السعودية والعالم العربي والإسلامي في القرن العشرين. فقد عُرف بحكمته وحنكته السياسية، وبتبنيه مشروعات إصلاحية كبيرة في الداخل، وبمواقفه القومية والإسلامية القوية في الخارج، خاصة في قضيتي فلسطين وأزمة النفط عام 1973م.
غير أن مسيرته التي اتسمت بالقوة والإصلاح انتهت فجأة وبشكل مأساوي في عام 1395هـ/1975م، عندما تعرّض لعملية اغتيال داخل قصر الحكم بالرياض. كانت الحادثة صادمة للمجتمع السعودي والعالم أجمع، إذ فقدت الأمة قائدًا بارزًا في وقت حرج من تاريخها.
وُلد الملك فيصل عام 1906م في الرياض، وهو الابن الثالث للملك المؤسس عبدالعزيز. نشأ في بيت قيادي، وتربى منذ صغره على القيم الدينية والالتزام بالمسؤولية. رافق والده في كثير من المهام السياسية والعسكرية، ما أكسبه خبرة مبكرة.
تولى الملك فيصل ولاية العهد ثم رئاسة مجلس الوزراء في عهد أخيه الملك سعود، وكان له دور بارز في رسم سياسة المملكة الخارجية، قبل أن يتولى الحكم رسميًا عام 1384هـ/1964م بعد تنازل الملك سعود بقرار من الأسرة والعلماء.
من أبرز إنجازات الملك فيصل
- الإصلاح الإداري: أعاد تنظيم أجهزة الدولة، وأنشأ الوزارات الحديثة.
- التنمية الاقتصادية: استثمر عوائد النفط في بناء البنية التحتية والتعليم والصحة.
- التعليم: أسس جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، وعزز التعليم للبنين والبنات.
- السياسة الخارجية: تبنى مواقف قومية وإسلامية، دعم فلسطين بقوة، وأطلق سياسة قطع النفط عام 1973م ردًا على دعم الغرب لإسرائيل في حرب أكتوبر.
- تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي: كان من أبرز المبادرين بإنشائها عام 1969م.
هذه الإنجازات جعلت منه قائدًا بارزًا على المستوى المحلي والعالمي، وزعيمًا يحظى باحترام واسع.
الأيام الأخيرة قبل اغتيال الملك فيصل
في بداية عام 1975م، كان الملك فيصل في ذروة نشاطه السياسي. فقد كان يتابع ملفات التنمية الداخلية، ويستعد لاستقبال قادة ومسؤولين أجانب، بينهم وفود كبرى من الولايات المتحدة وأوروبا. كما كان يعقد اجتماعات دورية مع الوزراء والعلماء لمتابعة مشاريع التعليم والاقتصاد.
رغم تقدمه في السن، كان يتمتع بحيوية واهتمام شديد بشؤون الدولة. ولم تكن هناك إشارات توحي بوجود تهديد مباشر لحياته، لذلك كان اغتياله صادمًا وغير متوقع.
حادثة اغتيال الملك فيصل
في صباح يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول 1395هـ الموافق 25 مارس 1975م، كان الملك فيصل في قصر الحكم بالرياض يستقبل وزير النفط الكويتي عبدالمطلب الكاظمي ووفده. أثناء مراسم الاستقبال، دخل الأمير فيصل بن مساعد بن عبدالعزيز (ابن أخيه) على القاعة بحجة السلام على الملك.
وبينما انحنى الملك فيصل لتقبيل ضيفه الكويتي وفق العادة، أخرج الأمير فيصل بن مساعد مسدسًا وأطلق ثلاث رصاصات أصابت الملك في رأسه وعنقه، فسقط على الفور. نُقل الملك إلى المستشفى المركزي بالرياض، لكن الأطباء أعلنوا وفاته بعد دقائق، إذ كانت إصاباته قاتلة.
دوافع اغتيال الملك فيصل
تباينت التحليلات حول دوافع الاغتيال:
- دافع شخصي: حيث كان شقيق القاتل، الأمير خالد بن مساعد، قد قُتل قبل سنوات في مواجهة مع قوات الأمن، ما جعل البعض يربط الحادثة برغبة في الانتقام.
- دوافع سياسية: طرحت بعض التحليلات فرضية أن الحادثة مرتبطة بمواقف الملك فيصل الحازمة ضد النفوذ الغربي والإسرائيلي، خاصة بعد قراره بقطع النفط عام 1973م.
- اضطرابات نفسية: قيل إن القاتل كان يعاني من اضطرابات نفسية أثرت على سلوكه.
مهما كانت الدوافع، فإن العملية نُفذت من قِبل فرد واحد داخل العائلة، ما جعلها صدمة مزدوجة على المستوى الوطني.
ردود الفعل
كان وقع الحادثة شديدًا على الشعب السعودي. فقد فُجع المواطنون بخبر اغتيال قائدهم الذي ارتبط اسمه بالنهضة والإصلاح. عمّ الحزن البلاد، وأقيمت الصلاة على الملك فيصل في جامع الإمام تركي بالرياض، وحضرها كبار الأمراء والعلماء وجموع غفيرة من المواطنين.
جُثمان الملك نقل إلى مقبرة العود حيث وُوري الثرى بجوار أبيه الملك عبدالعزيز وإخوته. وأعلنت الدولة الحداد الرسمي، وتوقفت الأعمال الرسمية لفترة قصيرة.
كما سارعت هيئة البيعة والأسرة الحاكمة إلى اختيار الملك خالد بن عبدالعزيز ملكًا جديدًا، لضمان الاستقرار واستمرار مسيرة الحكم دون اضطراب.
كان الملك فيصل محبوبًا في العالم العربي والإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية، وبسياسة النفط التي دعمت الموقف العربي ضد إسرائيل.
في فلسطين، نُكست الأعلام، وأقيمت صلوات الغائب على روحه في المسجد الأقصى. وفي مصر وسوريا والعراق ولبنان، نعت الحكومات والشعوب الملك فيصل بكلمات مؤثرة، وأشادت بمواقفه القومية. وفي باكستان، اعتُبر فيصل بطلًا إسلاميًا، حتى إن مدينة لاهور أطلقت اسمه على مسجدها الكبير (مسجد الملك فيصل).
أثار اغتيال الملك فيصل صدمة في العواصم العالمية. فقد كان يُنظر إليه كقائد معتدل وقوي في آن واحد، وصوت فاعل في السياسة النفطية العالمية.
الرئيس الأمريكي جيرالد فورد عبّر عن “أسفه العميق لفقدان صديق وحليف حكيم”. والقادة الأوروبيون أشادوا بدوره في استقرار أسعار النفط ودوره في بناء علاقات متوازنة مع الغرب. كما أن الصحف العالمية وصفت الحادثة بأنها “اغتيال لواحد من أبرز قادة القرن العشرين في العالم الإسلامي”.
محاكمة القاتل
بعد الحادثة مباشرة، ألقت السلطات القبض على الأمير فيصل بن مساعد. جرت محاكمته أمام القضاء الشرعي، حيث استمعت المحكمة إلى إفادات الشهود وأقوال المتهم. ورغم محاولات الدفاع القول إنه مضطرب نفسيًا، صدر الحكم بقتله قصاصًا.
في يونيو 1975م، نُفذ الحكم بقطع رأسه في ساحة عامة بالرياض، بحضور جمهور كبير. وقد أرادت الدولة من ذلك تأكيد تطبيق الشريعة، وردع أي محاولة لزعزعة الأمن.
أثر اغتيال الملك فيصل على المملكة
رغم فداحة الحادثة، أظهرت المملكة تماسكًا كبيرًا. تم الانتقال السلس للسلطة إلى الملك خالد، واستمر نهج الدولة في الإصلاح والبناء. غير أن اغتيال فيصل ترك فراغًا نفسيًا عميقًا في نفوس السعوديين الذين فقدوا قائدًا محنكًا.
استمر تأثير فيصل في السياسة العربية حتى بعد رحيله. فقد بقيت مواقفه تجاه فلسطين والنفط مصدر إلهام للزعماء العرب. كما أن الغرب أدرك أن المملكة، رغم فقدانها قائدها، قادرة على الاستمرار كحليف مهم.
إن اغتيال الملك فيصل بن عبدالعزيز في 13 ربيع الأول 1395هـ/25 مارس 1975م كان لحظة مأساوية في تاريخ المملكة والعالم العربي. فقدت الأمة قائدًا حكيمًا ارتبط اسمه بالإصلاح والتنمية داخليًا، وبالدفاع عن القضايا العربية والإسلامية خارجيًا.
لكن رغم الصدمة، أثبتت المملكة قدرتها على تجاوز المحنة، إذ تم انتقال الحكم بسلاسة إلى الملك خالد، واستمر مشروع النهضة الذي أطلقه فيصل.
يبقى الملك فيصل رمزًا خالدًا للقيادة الصادقة، ورجلًا جمع بين الإيمان والسياسة، وبين الحكمة والشجاعة. واغتياله لم يطفئ أثره، بل رسّخه في ذاكرة السعوديين والعرب والمسلمين كقائد استثنائي غيّر مجرى التاريخ.

[…] الملك خالد الحكم بعد اغتيال الملك فيصل عام 1395هـ/1975م. كان انتقال السلطة سلسًا بفضل متانة النظام السعودي، […]