إن وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز يوم الاثنين 25 جمادى الآخرة 1426هـ/1 أغسطس 2005م شكّلت نهاية مرحلة مهمة في تاريخ المملكة العربية السعودية. فيُعد الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود (1921م – 2005م) واحدًا من أبرز الملوك الذين حكموا المملكة العربية السعودية، فهو سادس ملوكها، وأول من حمل لقب خادم الحرمين الشريفين رسميًا.

تولى الحكم عام 1982م بعد وفاة شقيقه الملك خالد، وقاد البلاد على مدى 23 عامًا شهدت خلالها تحولات كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي. فقد رسّخ مؤسسات الدولة الحديثة، ووسع من خدمات التعليم والصحة، وعمل على تطوير البنية التحتية، وأدار باقتدار ملفات حساسة مثل حرب الخليج الثانية.

لكن حياة القادة، مهما طالت إنجازاتهم، تنتهي برحيلهم. ففي عام 2005م، أسلم الملك فهد روحه بعد معاناة مع المرض، تاركًا وراءه إرثًا كبيرًا وشعبًا محبًا. شكّلت وفاته لحظة حزن عميق للمملكة والعالم العربي والإسلامي، لكنها كانت أيضًا نموذجًا للاستقرار السياسي بفضل الانتقال السلس للسلطة إلى ولي عهده الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

وُلد الملك فهد في الرياض عام 1340هـ/1921م، وهو الابن التاسع للملك المؤسس عبدالعزيز من زوجته حصة بنت أحمد السديري. كان واحدًا من إخوان السديري السبعة الذين لعبوا دورًا مهمًا في تاريخ المملكة. تلقى تعليمه المبكر في مدرسة الأمراء بالرياض، حيث تعلم القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغة العربية، ثم أكمل دراسته على أيدي العلماء والمعلمين الذين استقدمهم والده.

دخل الحياة العامة مبكرًا، حيث عُيّن وزيرًا للمعارف عام 1373هـ/1953م، وكان أول وزير يتولى هذه الحقيبة في تاريخ المملكة. ثم أصبح وزيرًا للداخلية عام 1382هـ/1962م، ونائبًا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء. وفي عهد الملك فيصل، أصبح نائبًا أولًا لرئيس مجلس الوزراء ووليًا للعهد بعد تولي الملك خالد الحكم عام 1395هـ/1975م.

تولى الملك فهد الحكم يوم 21 شعبان 1402هـ الموافق 13 يونيو 1982م بعد وفاة شقيقه الملك خالد. وخلال أكثر من عقدين من الزمن، اتسم حكمه بالاستقرار والتنمية والتوسع في المشاريع الوطنية.

أبرز إنجازاته:

  • التعليم: توسع التعليم بشكل غير مسبوق في عهده، إذ أُنشئت الجامعات في مختلف المناطق، وزادت أعداد المدارس والبعثات العلمية إلى الخارج.
  • الصحة: بُنيت المستشفيات الحديثة والمراكز الطبية المتخصصة، وأصبحت المملكة وجهة إقليمية للعلاج.
  • البنية التحتية: توسع إنشاء الطرق والجسور والمطارات والموانئ، مما ساهم في ربط البلاد ببعضها.
  • الحرمين الشريفين: شهدت مكة والمدينة أضخم توسعة في تاريخ الحرمين، وهو ما يعكس اختياره للقب خادم الحرمين الشريفين عام 1986م.
  • السياسة الخارجية: كان له دور بارز في القضايا العربية والإسلامية، مثل دعمه للقضية الفلسطينية، وقيادته للموقف السعودي في حرب الخليج الثانية 1990–1991م، حيث لعب دورًا حاسمًا في تحرير الكويت.
  • المؤسسات: أسس مجلس الشورى بنظامه الجديد عام 1412هـ/1992م، وأطلق النظام الأساسي للحكم، ونظام المناطق، وهي تشريعات أساسية لا تزال فاعلة حتى اليوم.

ابتداءً من أواخر التسعينيات، بدأت صحة الملك فهد تتدهور، خاصة بعد إصابته بجلطة دماغية عام 1416هـ/1995م أثرت على قدرته الحركية. ورغم ذلك، ظل ملكًا للبلاد، فيما تولى ولي عهده الأمير عبدالله إدارة شؤون الدولة اليومية بصفته نائبًا أولًا لرئيس مجلس الوزراء.

كان الملك فهد يتابع شؤون الدولة بانتظام، ويُصدر التوجيهات الكبرى، لكنه قلّ ظهوره العلني في السنوات الأخيرة. ومع بداية الألفية الثالثة، ازدادت حالته الصحية صعوبة، ودخل المستشفى أكثر من مرة لتلقي العلاج.

في أواخر يونيو 2005م، نُقل الملك فهد إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض إثر التهاب رئوي ومضاعفات صحية متكررة. وعلى الرغم من العناية الطبية المكثفة، فإن حالته لم تتحسن.

وفي الاثنين 25 جمادى الآخرة 1426هـ الموافق 1 أغسطس 2005م، أعلن الديوان الملكي السعودي وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد أن قضى أكثر من 23 عامًا ملكًا للمملكة.

كان إعلان الوفاة لحظة حزينة في تاريخ المملكة. فقد نُكست الأعلام، وتوافد المواطنون إلى المساجد للصلاة والدعاء له، فيما أصدر العلماء بيانات نعي مؤثرة، وأعلنت وسائل الإعلام الحداد العام.

شُيع جثمان الملك فهد يوم الثلاثاء 26 جمادى الآخرة 1426هـ/2 أغسطس 2005م. أُديت الصلاة عليه في جامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض، بحضور خادم الحرمين الشريفين الجديد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وأفراد الأسرة المالكة، وحشد غفير من المواطنين.

تميزت جنازته بالبساطة وفق التقاليد الإسلامية، حيث حُمل على أكتاف الرجال ودُفن في مقبرة العود بجوار إخوته ووالده الملك المؤسس عبدالعزيز. وقد حضر مراسم التشييع قادة وزعماء من العالم العربي والإسلامي، وأرسلت معظم دول العالم وفودًا رفيعة لتقديم العزاء.

عمّ الحزن جميع مناطق المملكة، حيث أقيمت الصلوات والدعوات في المساجد. ونعى المواطنون قائدهم الذي شهدت البلاد في عهده نهضة كبرى. كما أكد العلماء والأمراء على وحدة الصف والالتفاف حول القيادة الجديدة ممثلة في الملك عبدالله. ففي مصر، أُقيمت صلاة الغائب في الجامع الأزهر، وأشاد الرئيس حسني مبارك بمواقف الملك فهد القومية. وفي فلسطين، وصفه القادة بأنه “نصير القدس” لدعمه الثابت للقضية. وفي الكويت، اعتبرته القيادة بطلًا لتحرير البلاد عام 1991م. وفي المغرب وباكستان وإندونيسيا، أقيمت مراسم عزاء رسمية، وأشادت الحكومات بمواقفه الإسلامية.

الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن نعى الملك فهد قائلاً: “لقد فقدنا صديقًا وحليفًا مخلصًا”. والرئيس الفرنسي جاك شيراك وصفه بأنه “قائد حكيم ساهم في استقرار المنطقة”. كما أن الأمم المتحدة أصدرت بيانًا أشادت فيه بجهوده الإنسانية ودوره في دعم التنمية الدولية.

مع إعلان وفاة الملك فهد، بايع الأمراء والعلماء والأعيان الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملكًا للمملكة العربية السعودية، وفقًا للتقاليد السعودية الراسخة. كان الانتقال سلسًا وهادئًا، مما عكس متانة النظام السياسي السعودي، وأكد أن الدولة لا تتوقف عند رحيل فرد، مهما كان عظيمًا.

أثارت وفاته مشاعر حزن عميق لدى الشعب، لكنه في الوقت نفسه عزز الالتفاف حول القيادة الجديدة. وقد واصل الملك عبدالله ما بدأه الملك فهد، خاصة في مجالات التنمية والاعتدال السياسي.

فقد العالم العربي والإسلامي قائدًا مؤثرًا في قضاياه، وخاصة في دعم فلسطين وتحرير الكويت. كما فقد العالم الدولي رجلًا لعب دورًا مهمًا في استقرار أسواق النفط وفي حفظ التوازنات الإقليمية.

إن وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز يوم الاثنين 25 جمادى الآخرة 1426هـ/1 أغسطس 2005م شكّلت نهاية مرحلة مهمة في تاريخ المملكة العربية السعودية. فقد رحل قائد الإصلاحات الكبرى، والرجل الذي ارتبط اسمه بتوسعة الحرمين، وتحرير الكويت، وتطوير مؤسسات الدولة.

لكن إرثه العظيم لم ينتهِ بوفاته، بل استمر عبر مشروعاته ومؤسساته، وعبر الانتقال السلس للسلطة إلى الملك عبدالله، الذي واصل مسيرة البناء. وبهذا، أثبتت المملكة مرة أخرى أنها دولة راسخة الأسس، قادرة على الاستمرار رغم فقدان قادتها الكبار.

يبقى الملك فهد في ذاكرة السعوديين والعرب والمسلمين رمزًا للقائد الحكيم، الذي جمع بين قوة الموقف وصدق الالتزام الديني، وترك بصمة خالدة في تاريخ القرن العشرين.