إن وفاة الملك عبدالله في يناير 2015م كانت نهاية مرحلة مهمة في تاريخ المملكة. وُلد الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود عام 1343هـ/1924م في مدينة الرياض، وهو الابن الثاني عشر للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود من زوجته الأميرة فهدة بنت العاصي الشمري. نشأ في كنف والده المؤسس، وتربى منذ صغره على قيم الشريعة الإسلامية والتقاليد العربية الأصيلة، وتلقى تعليمه المبكر في مدرسة الأمراء بالرياض حيث درس القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغة العربية. عُرف منذ شبابه بحبه للفروسية، وبقربه من الناس والبساطة في معيشته، وهي الصفات التي رافقته طوال حياته وأكسبته مكانة خاصة في قلوب السعوديين.
بدأ الملك عبدالله مسيرته العملية في عام 1962م عندما عُيّن قائدًا للحرس الوطني. كان هذا المنصب نقطة تحول في مسيرته، إذ عمل على تحويل الحرس الوطني من قوة قبلية تقليدية إلى مؤسسة عسكرية حديثة ومتكاملة، مزودة بالتدريب والتجهيزات الحديثة. استمر في قيادة الحرس الوطني لعقود، حتى صار مؤسسة ذات وزن كبير في حماية أمن الوطن وخدمة المواطنين. ومع مرور الوقت، تولى مناصب عليا أخرى، منها منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء عام 1975م، ثم منصب ولي العهد ونائب أول لرئيس مجلس الوزراء عام 1982م بعد تولي الملك فهد بن عبدالعزيز الحكم.
خلال فترة مرض الملك فهد في التسعينيات، كان عبدالله يدير شؤون الدولة الفعلية، ما أتاح له فرصة لإثبات نفسه كرجل دولة بارع يتميز بالحكمة والواقعية. وحين توفي الملك فهد في أغسطس 2005م، تمت مبايعة عبدالله ملكًا للمملكة العربية السعودية، ليبدأ مرحلة جديدة امتدت عشر سنوات شهدت إصلاحات واسعة وتحولات كبرى.
حكم الملك عبدالله تميز بانفتاح على الإصلاحات الداخلية، خاصة في مجالات التعليم والقضاء والاقتصاد. ففي التعليم، أطلق برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، الذي مكّن عشرات الآلاف من الشباب السعودي من الدراسة في أرقى الجامعات العالمية، مما ساهم في بناء جيل جديد من الكفاءات المؤهلة. كما أنشأ جامعات جديدة داخل المملكة مثل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، التي افتُتحت عام 2009م لتكون صرحًا عالميًا للبحث العلمي. وفي مجال القضاء، أطلق مشروعًا كبيرًا لتطوير النظام القضائي، أنشأ بموجبه محاكم متخصصة وأدخل التقنية الحديثة في الإجراءات. أما في الاقتصاد، فقد دعم إنشاء مدن اقتصادية جديدة مثل مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، وسعى لتنويع مصادر الدخل الوطني، وإن كانت المملكة بقيت تعتمد بشكل رئيسي على النفط.
إحدى أبرز سمات عهده كانت اهتمامه بدور المرأة في المجتمع. ففي عام 2013م، اتخذ قرارًا تاريخيًا بتعيين 30 امرأة في مجلس الشورى لأول مرة في تاريخ المملكة، كما أتاح لهن المشاركة في الانتخابات البلدية ناخبات ومرشحات. هذه الخطوات اعتُبرت بداية لتوسيع دور المرأة في الحياة العامة، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية للمجتمع السعودي.
من الناحية الدينية، شهد عهده أكبر توسعة في تاريخ المسجد الحرام والمسجد النبوي، حيث أُنجزت مشاريع عملاقة لاستيعاب ملايين الحجاج والمعتمرين. وقد عكس ذلك اهتمامه البالغ بخدمة الإسلام وضيوف الرحمن، بما يليق بلقب خادم الحرمين الشريفين.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد كان الملك عبدالله شخصية محورية في العالم العربي والإسلامي. أطلق عام 2002م مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت، والتي عرضت على إسرائيل سلامًا شاملًا مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة. كما دعا إلى الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وأسس مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا. كما وقف بحزم ضد الإرهاب والتطرف، وأكد أن الإسلام بريء من تلك الممارسات.
في سنواته الأخيرة، بدأت صحة الملك عبدالله تتدهور تدريجيًا بسبب مشاكل في الجهاز التنفسي والقلب. كان يتلقى العلاج داخل المملكة وخارجها، وظل رغم ذلك يتابع شؤون الدولة بدقة ويصدر القرارات المهمة، مستعينًا بولي عهده الأمير سلمان بن عبدالعزيز لإدارة بعض الملفات. وفي أواخر ديسمبر 2014م، أُدخل إلى مدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني بالرياض إثر إصابته بالتهاب رئوي، ورغم العناية الطبية المكثفة فإن حالته لم تتحسن بالشكل المطلوب.
في فجر يوم الجمعة 3 ربيع الآخر 1436هـ الموافق 23 يناير 2015م، أعلن الديوان الملكي السعودي وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز عن عمر ناهز التسعين عامًا. وقد نعى الديوان الملكي الشعب السعودي والأمة العربية والإسلامية ببيان مؤثر، وأكد مبايعة ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز ملكًا جديدًا للمملكة.
شيّع جثمان الملك عبدالله بعد صلاة العصر في جامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض، في جنازة مهيبة حضرها الملك سلمان وأفراد الأسرة المالكة وقادة العالم العربي والإسلامي، وحشود غفيرة من المواطنين الذين جاءوا لتوديع قائدهم. دُفن الملك عبدالله في مقبرة العود بجوار والده المؤسس وإخوته الملوك السابقين، في جنازة بسيطة تليق بالنهج الإسلامي الذي تلتزمه المملكة.
خيّم الحزن على المملكة عقب وفاته، حيث عبّر المواطنون عن مشاعرهم بالدعاء والوفاء في المساجد ووسائل الإعلام، فيما أصدرت المؤسسات الرسمية بيانات رثاء أشادت بمآثره. وصفه العلماء بأنه قائد حكيم خدم الإسلام والمسلمين، وأشاد رجال الأعمال بإصلاحاته الاقتصادية، وأثنى المثقفون على دعمه للحوار والانفتاح.
على المستوى العربي والإسلامي، نُكست الأعلام في عدة دول وأُعلنت أيام حداد، خاصة في الإمارات والكويت والأردن والمغرب ومصر. وأشاد القادة العرب بدوره في دعم القضايا العربية، خصوصًا القضية الفلسطينية. في العالم الإسلامي، أقيمت صلوات الغائب في المساجد الكبرى في باكستان وإندونيسيا وتركيا وماليزيا، ووصفه المسلمون بأنه نصير للأمة وخادم الحرمين الشريفين بحق.
أما على المستوى الدولي، فقد صدرت بيانات نعي من مختلف دول العالم. الرئيس الأمريكي باراك أوباما وصف الملك عبدالله بأنه قائد شجاع سعى لتحقيق معتقداته، وأشاد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند برؤيته وحكمته، فيما عبرت الأمم المتحدة عن تقديرها لجهوده الإنسانية ومبادراته للحوار والسلام. هذه الردود الدولية عكست مكانته كزعيم عالمي له وزن في قضايا الأمن والطاقة والسلام.
انتقال الحكم بعد وفاته كان سريعًا وسلسًا، إذ بويع الأمير سلمان ملكًا للمملكة، وأُعلن الأمير مقرن وليًا للعهد. هذا الانتقال السلس للسلطة أكد متانة النظام السياسي السعودي وعمق رسوخ تقاليد البيعة، وأعطى رسالة للعالم بأن المملكة قادرة على الاستمرار قوية وموحدة رغم فقدان قادتها الكبار.
لقد ترك الملك عبدالله أثرًا كبيرًا على بلاده وعلى العالم. داخليًا، فقد المواطنون قائدًا قريبًا منهم اهتم بقضاياهم المعيشية والإصلاحية. إقليميًا، افتقد العرب زعيمًا وحدويًا دعا دائمًا للتضامن. إسلاميًا، رحل خادم الحرمين الشريفين الذي وسّع الحرمين وخدم ضيوف الرحمن. ودوليًا، فقد العالم شخصية معتدلة دعت إلى الحوار والتعاون، وسعت إلى استقرار أسواق النفط، وأكدت أن السعودية لاعب أساسي في السياسة الدولية.
إن وفاة الملك عبدالله في يناير 2015م كانت نهاية مرحلة مهمة في تاريخ المملكة، لكنها لم تكن نهاية لإرثه. فقد استمر أثره في مؤسساته التعليمية والاقتصادية، وفي توسعات الحرمين، وفي مبادراته للحوار والسلام. وسيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة السعوديين والعالم كرجل إصلاح، وقائد حكيم جمع بين الإيمان والشجاعة والاعتدال.

[…] والعشرين من يناير 2015م، استيقظ السعوديون على خبر رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز بعد عقد من الزمن في الح…. لم يكن الحزن وحده هو السمة الغالبة في ذلك اليوم، بل […]